محمد بن جرير الطبري
132
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
* - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام عن أبي جعفر ، عن الربيع بنحوه ( 1 ) . وقال بعضهم : هي حروف من حساب الجمل ، كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه ، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله ، وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس . وقال بعضهم : لكل كاتب سر ، وسر القرآن فواتحه . وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى ذلك ، فقال بعضهم : هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا ، كما استغنى المخبر عمن أخبر عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين بذكر " أب ت ث " عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين ، قال : ولذلك رفع ( ذلك الكتاب ) لان معنى الكلام : الألف واللام والميم من الحروف المقطعة ( ذلك الكتاب ) الذي أنزلته إليك مجموعا ( لا ريب فيه . . ) . فإن قال قائل : فإن " أب ت ث " قد صارت كالاسم في حروف الهجاء كما صارت الحمد اسما لفاتحة الكتاب . قيل له : لما كان جائزا أن يقول القائل : ابني في " ط ظ " ، وكان معلوما بقيله ذلك لو قاله أنه يريد الخبر عن ابنه أنه في الحروف المقطعة ، علم بذلك أن " أب ت ث " ليسلها باسم ، وإن كان ذلك آثر ( 2 ) في الذكر من سائرها . قال : وإنما خولف بين ذكر حروف المعجم في فواتح السور ، فذكرت في أوائلها مختلفة ، وذكرها إذا ذكرت بأوائلها التي هي " أب ت ث " مؤتلفة ليفصل بين الخبر عنها ، إذا أريد بذكر ما ذكر منها الحروف المقطعة بأعيانها . واستشهدوا - الإجازة قول القائل : ابني في " ط ظ " ، وما أشبه ذلك من الخبر عنه أنه في حروف المعجم ، وأن ذلك من قيله في البيان يقوم مقام قوله : " ابني في أب ت ث " - برجز بعض الرجاز من بني أسد : لما رأيت أمرها في حطي * وفنكت في كذب ولط أخذت منها بقرون شمط * فلم يزل ضربي بها ومعطي حتى علا الرأس دم يغطي ( 3 )
--> ( 1 ) يشير إلى الرواية السابقة عنه . ( 2 ) كانت في الأصل " يؤثر " والصواب ما أثبتناه . وقوله : " آثر " أي يؤثره الناس ويقدمونه . ( 3 ) في اللسان ( مادة فنك ) الأشطر الثلاثة الأولى . فنك في الكذب : مضى ولج فيه ، وقال أبو طالب : فإنك في الكذب والشر وفنك وفنك ، ولا يقال في الخير ، ومعناه : لج فيه ومحك . ولط الق : جحده ومنعه وخاصم فأحمى الخصومة . والقرون : جمع قرن ، وهو الضفيرة ، وشمط : جمع أشمط ، وهو الأشيب . والمعط : المد والجذب .